السيد محمد الصدر

257

منة المنان في الدفاع عن القرآن

ومحلّ الشاهد : أنَّ الإدبار البعد ، والإقبال العود والرجوع ، أي : يفيء إلى أمر الله ، معنى ذلك أنَّ هذه الأُمور كلّها رجوعٌ إلى الله سبحانه ، وإليه يعود الأمر كلّه . فإن قلت : إنَّ هذا الفرد المتكامل ( إرم ذات العماد ) الآن لا مثيل له ، وليس دائماً لا مثيل له ؛ لأنَّ الأفراد المتكاملين وإن كانوا قليلين في البشريّة ، لكنّهم ليسوا منعدمين ، ففي كلّ جيلٍ يوجد عشرةٌ أو ثلاثون أو مائةٌ ، فإذن أيّ واحدٍ منهم له مثيل مثله في الورع ، وفي التقوى ، فإذن لا يصدق على ذلك أنَّه لم يخلق مثلها في البلاد . قلت : جواب ذلك من أكثر من وجهٍ : الوجه الأوّل : أن نحمل هذا التعبير على الأغلب ، وليس على المعنى الدقّي ، أي : لو نسب إلى ما دونه وهم ملايين الناس ، فهو ليس له مثيلٌ ، بغضّ النظر عمّا هو غير الغالب ، وهم عددٌ قليلٌ من المتكاملين بنفس المستوى ، وهذا لا يضرّ بالعبارة ؛ لأنَّ الأعمّ الأغلب من البشر هم دون هذا المستوى ، فتحمل العبارة على الغالب ، ولا تعني السيطرة التامّة والإطلاق الكامل . الوجه الثاني : أن نحمل العبارة على واحدٍ حقيقةً لا مثيل له من الخلق ، وهو أمير المؤمنين ( ع ) ؛ إذ أعطاه من الفضائل ما لم يُعطِ أحداً من العالمين . الوجه الثالث : أن نقول : إنَّه كلّما صعدت درجات التكامل قلّ الأفراد ، كأنَّما كلّ مجموعةٍ تتداخل في شخصٍ واحدٍ ، ثُمَّ المرتبة الثانية أيضاً تتداخل في شخصٍ واحدٍ على شكلٍ هرمي إلى أن يلتقون بأمير المؤمنين ( ع ) الذي هو أعلى الوجودات ، وهو وجود محمّدٍ وعلي ( ص ) سويّةً ، فكلّما صعدت درجات التكامل قلّ العدد ، وكلّما قلّ التكامل نلاحظ ازدياد العدد . وحينئذٍ نلاحظ